ابن قيم الجوزية
294
الروح
فصل قولكم في الحادي عشر : إنا إذا حكمنا بأن السواد مضاد البياض وجب أن يحصل في الذهن ماهية السواد والبياض معا والبداهة حاكمة بأن اجتماعهما في الجسم محال . جوابه : أن هذا مبني على أن من أدرك شيئا فقد حصل في ذات المدرك صورة مساوية للمدرك ، وهذا باطل ، واستدلالكم على صحته بانطباع الصورة في المرآة باطل ، فإن المرآة لم ينطبع فيها شيء البتة كما يقوله جمهور العقلاء من الفلاسفة والمتكلمين وغيرهم ، والقول بالانطباع باطل من وجوه كثيرة ثم تقول إذا كنتم قد قلتم إن المنطبع في النفس عند إدراك السواد والبياض رسومهما ومثالهما لا حقيقتهما فلم لا يجوز حصول رسوم هذه الأشياء في المادة الجسمانية ؟ فصل [ الرد على أن محل الإدراكات جسم ] قولكم في الثاني عشر : أنه لو كان محل الإدراكات جسما وكل جسم منقسم لم يمنع أن يقوم بعض أجزاء الجسم علم بالشيء ، وبالجزء الآخر منه جهل به فيكون الإنسان عالما بالشيء جاهلا به في وقت واحد . جواب : أن هذه الشبهة منتقضة على أصولكم فإن الشهوة والغضب والتخيل من الأحوال الجسمانية عندكم ومحلها منتقض فلزمكم أن تجوزوا قيام الشهوة والغضب بأحد الجزءين وضدهما بالجزء الآخر فيكون مشتهيا للشيء نافرا عنه غضبان عليه غير غضبان في وقت واحد . فصل قولكم في الثالث عشر : إن المادة الجسمانية إذا حصلت فيها نقوش مخصوصة امتنع فيها حصول مثلها والنفوس البشرية بضد ذلك . إلى آخره . جوابه : إن غاية هذا أن يكون قياسا ممتازا بغير جامع وذلك لا يفيد الظن فضلا عن اليقين فإن النقوش العقلية هي العلوم والإدراكات والنقوش الجسمانية هي الأشكال والصور ، ولا ريب أن العلوم مخالفة بحقائقها للصور والأشكال ولا يلزم من ثبوت حكم في نوع من أنواع الماهيات ثبوته فيما يخالف ذلك النوع .